حسن الأمين
52
مستدركات أعيان الشيعة
الواقع مستقرئا ممتحنا مجربا حتى يخرج من هذه الخطوات المتوالية على نسق صحيح ، بقانون يعتمده في تفسير سائر الظاهرات المشابهة للظاهرة التي وقع عليها البحث بطريقه المذكور . فلسفة الكيمياء ننطلق الآن من هذه النظرة ذاتها ، عند جابر ، أي التي تقول « إن في الأشياء كلها وجودا للأشياء كلها » ، لنتعرف أساس فلسفته بالكيمياء . . هذه النظرة تقول ، كما عرفنا ، إن في كل شيء موجود بالفعل شيئا موجودا بالقوة . . وهنا يأتي سؤال : هل كل ما هو موجود بالقوة سيكون موجودا بالفعل حتما ؟ . . الجواب عن هذا السؤال يفسر الأساس التي تقوم عليه فلسفة الكيمياء عنده . يجيب جابر بان الأشياء : اما بسيطة ، واما مركبة . . وكل ما نراه في الطبيعة هو من الأشياء المركبة . . وهذه درجات : منها مركب أول ، ومنها مركب ثان ، ومنها مركب ثالث ، أو مركب المركب . الأشياء البسيطة : يستحيل أن يتحول كل ما فيها بالقوة إلى وجود بالفعل . لأن البسيط غير متناه ، فهو إذن أبدي لا يفنى ، ولو أن ما فيه بالقوة قد خرج إلى الفعل ، لصار متناهيا ، والمفترض انه غير متناه . وأما الأشياء المركبة من الدرجات الأولى ( الطبيعة بوجه عام ) والثانية ( النار والهواء والأرض والماء ) ، والثالثة ( الحيوان والنبات والحجر ) ، فكلها من الممكن أن يخرج ما فيها بالقوة إلى وجود بالفعل . ولكن هناك حالات يمتنع فيها خروج كائن من كائن آخر . . ف « إن الأشياء التي يمتنع ويعسر خروجها من القوة إلى الفعل على ضربين : اما أن يرام من الأشياء ما ليس فيها بالقوة ولكن عسر خروجه إلى الفعل ، كالذي يروم خروج الماء من النار من أول وهلة » . . ( 1 ) ويقصد انه يحتاج ذلك إلى عمل بترتيب وعلى دفعات متوالية بعضها مسبب عن بعض . . فهو يرى أن الأمر مقترن بأسبابه الطبيعية أو بظروفه العملية القائمة على التدبير و « القصد المستقيم » . هنا نبلغ الأساس في فلسفة الكيمياء عنده ، فإنه يرى « الطبيعة علة خروج الطلع وخروج الرياحين البرية التي لا تعالج بالسقي واللقاح وأمثال ذلك ، فتخرج من القوة إلى الفعل بأنفسها وفي زمانها ، وأما غير ذلك مما علته إخراج التدابير للأشياء ( فهو محتاج إلى تدبير طريقة لإخراجه ) . ( 2 ) وعلى هذه القاعدة يمكن للكيميائي أن يقتدي بالطبيعة في إخراجها الأشياء من القوة إلى الفعل ، فكل ما تصنعه الطبيعة من تحويل الأشياء بعضها إلى بعض آخر ، يستطيع الكيميائي أن يصنع مثله إذا توفر عنده العلم والتبصر والحذر ومعرفة خصائص الأشياء والخطوات المتدرجة التي يسير بها أثناء التجربة . وهنا ننتهي إلى نتيجة مدهشة في فلسفة جابر ، فهو يرى أن « في قوة الإنسان ان يعمل كعمل الطبيعة » . ( 3 ) والإنسان هنا هو الكيميائي في قصده ، عمليا . لكأنما نرى جابر بن حيان في عصرنا هذا ، يفكر بتفكير العلم الحديث المتطور . . ومن شاء التوسع فليرجع إلى كتابه « التجميع » ( مختارات كراوس ، ص 344 - 349 ) أو كتاب « جابر بن حيان » للدكتور زكي نجيب محمود في سلسلة اعلام العرب . عقل الفيلسوف ونرى ، قبل أن نختم هذا الفصل ، ضرورة الإشارة إلى أن هذه السمات المنهجية التي رأيناها سائدة في تفكير جابر بن حيان وطريقته في البحث والتجارب ، مستفادة بالأصل لا من كونه عالما طبيعيا ، أو كيميائيا وحسب ، بل من كونه يقيم تفكيره كله على نظرة فلسفية للكون والطبيعة ، فهو مؤمن بالفلسفة إلى حد حمله على القول بصورة جازمة : « إنه ليس براق من أغفل صناعة الفلسفة ، ولكنه راسب مضمحل إلى أسفل دائما » بين جابر والرازي قال عبد الحليم منتصر : تهدف هذه الدراسة المبدئية ، إلى تبيان دور الكيميائيين العرب ، في تأسيس وتقدم علم الكيمياء ، ووضع الكيميائيين العرب في مكانهم الصحيح بين علماء الأمم الأخرى ، وإبراز دورهم في بناء النهضة العلمية ، والرد على مزاعم غير المنصفين من المؤرخين ، الذين يتجاهلون دور العلماء العرب ، في تنمية المعارف الإنسانية ، وإلقاء الضوء على الفكر العلمي التجريبي ، الذي اتبعه العرب ، والربط بين النظريات والآراء التي قال بها العرب ، وتلك التي يقول بها علماء العصر الحاضر ، وبالجملة تصحيح تاريخنا العلمي . وليس من شك في أن تاريخ الكيمياء في العصر الإسلامي ، مرتبط بتاريخها في العصر الإسكندري ، وهذا بدوره متصل بالعصر الإغريقي ، وتمتد جذوره إلى العصر المصري الفرعوني . فالفكر العلمي متصل على مر التاريخ ويتناقله ويتوارثه طلاب العلم جيلا بعد جيل . شهادة الحاضرين عما صنع علماء الكيمياء من العرب الغابرين بيد أن الكيميائيين العرب وعلى رأسهم جابر والرازي ، لم يقفوا بالكيمياء عند النظريات والآراء كما فعل اليونان ، وانما كان لهم السبق في جعل الكيمياء علما تجريديا فقد كان جابر بن حيان « يدعو إلى التجربة وعدم التعويل إلا عليها مع دقة الملاحظة واتباع التعليمات جيدا لأن لكل صنعة أساليبها » ويشهد « جوستاف لوريون » بان العرب توصلوا إلى كشوف هامة لم يعرفها اليونان قبلهم كتحضير الكحول وزيت الزاج ( حامض الكبريتيك ) وماء الفضة ( حامض النيتريك ) وماء الذهب ( الماء الملكي ) ، كما أنهم عرفوا من العمليات الكيميائية التقطير ، والترشيح ، والتكليس ، والاذابة ، والتبلور ، والتصعيد ، وكذلك يشهد عدد من المستشرقين والمؤرخين من أمثال « سارتون Sarton » و « برثوليه Bertholet » و « هولميارد Holmyard » و « سيجفريد Siegfried » وغيرهم . العثور على معمل جابر بن حيان وأن الدارس لبعض مخطوطات هذين العملاقين « جابر والرازي » من أمثال كتاب السبعين والخواص والموازين ، والكامل ، والخواص الكبير . وصندوق الحكمة ، والحدود والإيضاح ، والرحمة ، وسر الأسرار ، وغيرها - ليجد الكثير مما يؤيد ما نذهب اليه من أثرها البالغ على علم الكيمياء . ويذكر هولميارد في هذا الصدد أنه عثر على معمل جابر بن حيان في أثناء
--> ( 1 ) المصدر السابق - ص 6 ( تلخيص زكي نجيب ) . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 7 . ( 3 ) كتاب السبعين - لجابر ( مختارات كرواس ) ص 463 .